أفيش

الفن بطريقتنا

محمد رمضان البرنس .. فتى الحارة الأول

مايو 5, 2020 12:42 م -- بورتفوليو

كم مليون نسمة يعيشون في منطقة الشرابية، كم شخص منهم كان طرف في مهاجمة رمضان أو انتقاده، كم فرد منهم اتهمه بهدم القيم والعنف، ورغم هذا ذهب محمد رمضان البرنس وحده إلى تلك المنطقة المعتمة لتكون لمقر حكايته الجديدة.

ذهب إلى واحدة من أعمق المناطق الشعبية في القاهرة، الشرابية ليأتي لنا بحكاية رمضان البرنس. رأيت في حكاية رمضان وأخوته روح المنطقة الشعبية حكاويها ومأسيها، وقدر برع رمضان الذي يشبها في ملامحه، الذي أمتلك الملايين ورغم ذلك، ما زالت خطوط الشقاء أعلى هامته، والعيون المجهدة تحمل بداخلها كل المصريين الكادحين والبسطاء.

لا يحتاج رمضان بذل مجهود ليجعلنا نصدقه، ليجعلنا لا نغض الطرف إذ ما فتح فاه أمام الكاميرا، لم ينفعل كثيرًا ولم يكن باردًا مملاً، كان واقعيًا وصادقًا، يتحكم في انفعالاته مثلما نتحكم في خيواط عرائس المريونيت.

لماذا نعيب على محمد رمضان البرنس أدوار البلطجة؟

الناس تعيب على رمضان أدوار البلطجة، وتتجاهل أن معظم روايات نجيب محفوظ كانت عن الفتوات، ربما لم ينجح أحد في تجسيد شخصية البلطجي مثل محمد رمضان، ولم يباريه أحد حتى الآن في دور البطل الشعبي، الذي يبدأ حياته أو مأساته من داخل حارة صغيرة.

خلال انتقالي إلى القاهرة مطلع 2013، سكنت إحدى حواري الشرابية، في منطقة مهمشة قرب مرفأ القطار، كنت أجول في عمق تلك المنطقة التي لا تنضب منها الحكاوي ولا تنقطع.. وأكاد أجزم أن أهالي الشرابية يعرفون من الحكايات ما يجعل مسلسل البرنس حتى الآن بالنسبة لهم حكاية مسلية لا ترنوا إلى المأساة.

قصت لي جدتي رحمها الله عن حارتنا في الشرابية الكثير، منها ما كنت اسمعه وكأنه فيلم أو خيال، ومنها ما استقيت منه الحكمة. أخبرتني عن جريمة قتل جرت في قلب حارتنا، بين اتنين من تجار المخدرات مطلع التسعينات، كيف قطعوا أنوار حارتنا بأكملها، لنجد أحشاء أخ تاجر المخدرات الذي كان أكثرهم أدبًا وخلقًا وليس له شأن في سلوك أخوه وهو يتوسط الحارة ودمائه تسيل حتى مدخل بيتنا، لتتكور وتتجمع عند بلاعة الصرف.

اقرأ المزيد أحمد السبكي: إبراهيم الأبيض أعنف من عبده موتة ومحمد رمضان مش قليل الأصل

محمد رمضان يجسد الحكايات من رحم الشارع والحارة، لا يقل عظمة في توثيقه لتلك المناطق عن تدوينات الغيطاني حول حى الجمالية ومصر القديمة.

اسمحوا لي أن أقول بأن رمضان هو فتى الحارة الأول، البطل الشعبي الذي لا ينازعه أحد ولم يهز عرشه أحد، رمضان ما زال صغيرًا، ويتطور بسرعة كبيرة، ربما مع الوقت يتعلم من أبناء الطبقة الغنية، ويسكن في مدينتي ويتبول كريم كرميل، يحوز رضى الطبقة البرجوازية التي تعيش في وهم الارستقراط.

ولكن عندما يحين الوقت، عندما يتغير جلد رمضان ليرضى الجمهور البرجوازي العاجز، لن يكون شبهنا مثلنا، سيكون مثل مسلسل حكايات البنات، مغيب عن الواقع، أخاف أن نقضي على الشخص الوحيد الذي يصدمنا بهويتنا الحقيقية.

Facebook Comments