أفيش

الفن بطريقتنا

امرأة هزت عرش أم كلثوم.. كيف شكل فريد الأطرش مسيرة أسمهان الفنية؟

مايو 19, 2020 3:26 ص -- ارجع يا زمان, بورتفوليو
فريد الأطرش وأسمهان

ذات مرة، دعا “فريد الأطرش” الملحن داود حسني لجلسة موسيقية بمنزل الأسرة بشارع باب البحر بالفجالة، وبينما وصل حسني في الموعد المحدد، وليبدأ برفقة صديقه العزف على العود، كانت أسمهان “أمال الأطرش” شقيقته الصغرى، تجلس بإحدى حجرات البيت، وتتغنى مع نفسها بما تسمعه من أخيها، ليتسرب صوتها إلى خارج الحجرة، ويلتفت داوود إلى جمال صوت الطفلة الصغيرة.

وبعدما انتهت يطلب من فريد إحضارها إليه، فهو يود أن يراها لما سببته له من دهشة من عذوبة صوتها، وليؤكد بعد انتهاء لقاءه بفريد أن أمال موهبة فنية ستكون لها اسمها في المستقبل، وليتولى فيما بعد تدريبها على الغناء، ويتبنى موهبتها ويطلق لها اسم فني جديد “أسمهان”.

أسمهان وفريد الأطرش.. كيف وقف بجانب أخته الصغيرة؟

شكلت دعوة فريد الأطرش لداوود حسني حياة شقيقته الفنية، والتي عرفت الغناء منذ جلوسها إلى جانبه وهو يعزف على العود، كانت أسمهان تستمع بشغف إلى النغمات التي تنطلق من أوتار عوده،  ثم تصمت مع نفسها وتدندن من قلبها، هائمة بما سمعته منه.

وهو الأمر الذي أدخل الفرحة إلى فريد بأخته الصغيرة التي ترافقه غناءه وخلوته مع فنه، فأصبح يشجعها حتى تنمو موهبتها كل يوم عن الأخر، بعدما بدأ يتشكل بداخله إحساسًا بأنها ستصير يومًا نجمة كبيرة، وعليه فقط أن يصقلها بالخبرات اللازمة.

التحقت أسمهان في هذه الفترة بمدرسة الراهبات في شبرا، وبنصيحة من شقيقها بدأت توسع غناءها خارج الدائرة العائلية إلى أصدقائها في المدرسة حتى لفتت أنظار المدرسين لموهبتها، والذين حرصوا على إشراكها في الحفلات المدرسية لتبدأ بغناء بعض الأناشيد بصوت جذاب وعذب.

وظلت هكذا بين مشاركتها لشقيقها في المنزل والغناء في المدرسة، حتى أتمت عامها الـ 15، ليبدأ فريد في التفكير في أن يطور من نمط حياتها، بعدما صارت تستطيع أن تقف على خشبة المسرح دون خجل وتردد، كان فريد يريد أن يتسع صيتها وتبدأ تدريجيًا في سلك خطوات جديدة نحو موهبتها التي باتت تشكل اهتماماتها، والبداية كانت بالغناء في الحفلات العائلية للأسرة الحاكمة، وبعدما بدأ اسمها ينتشر.

قرر أن يؤخذها معه إلى صالة منصور، ومنها استطاعت أن تقنع بعض الشركات بموهبتها، لتسجل مجموعة من الأغنيات  لشركة بيضا فون مقابل خمسة جنيهات، ثم تتعاقد مع شركة كولومبيا على تسجيل أسطوانتين مقابل 20 جنيهًا.

فريد الأطرش والعندليب.. عاشوا خصوم وماتوا أحباب اقرأ المزيد

اطمأن فريد على شقيقته بعدما أصبحت فنانة لها أسطوانتها الخاصة، فكانت الطفلة ما زالت في مدرسة الراهبات وذاع صيتها في معظم الصالات والمسارح المصرية، وأحس بأن كلمات داوود حسني لها في المنزل تحققت.

تشجيع أسمهان على ترك الدراسة من أجل الغناء

وصارت أسمهان حيث سماها نجمة كبيرة يذهب إليها خصيصًا الناس إلى صالة منصور ليستمعون إليها، وأمام شهرتها وتحقيق حلمها أصبحت حديث كل شيوخ الطرب في مصر،  فبدت رغبتها في ترك الدراسة، بعدما أصبح من الصعب عليها أن تجمع بين الغناء والتعليم، وهي الأن على أعتاب أن تصبح مطربة كبيرة مثل أم كلثوم، واستمر فريد في دعم مسيرة شقيقته الفنية  بتأييد لموقفها واستطاع أن يقنع والدتها بالموافقة على رغبتها بترك الدراسة والاستمرار في مسيرتها الفنية.

الآن أصبحت الظروف أفضل أمام فريد لصنع أسطورة النجمة الصاعدة، فتركت أسمهان الدراسة، وبدأ يتخيلها على خشبة المسارح الغنائية الكبرى التي يحضرها جلالة الملك، ورسم في ذهنه صورة لها وهي تشدو مثل سيدة الغناء العربي، ويصقف لها الحاضرون تقديرًا لصوتها الذي ينضج يومًا بعد يوم، فعمل على توسيع مداركها الفنية.

كان يعرف فريد جيدًا أن المطرب مهما كانت موهبته لابد له من مدارس مختلفة يتعرف عليها وبهذه المعارف اللازمة يطور من أداءه الغنائي ويضمن لنفسه الاستمرارية والقدرة على المنافسة، لذا عمل على أن يقرب بينها وبين كبار الملحنين.

والبداية كانت بفريد غصن الذي قدمت معه أولى أغنياتها يا نار يا فؤادي عام 1932، ثم مع محمد القصبجي قدمت مونولوج أسمع البلبل وياللي بحبك بنيت الأماني وقصيدتي أين الليالي اللواتي وكنتي الأماني، وأغنية كلمة يا نور العيون، عاهدني يا قلبي ويوم ما أشوفك.

وصلت أسمهان بعد مشاركتها السابقة إلى مرحلة الشهرة والانتشار، وأصبح لها أسلوبها الغنائي الخاص، وهو ما جعل الصحفي محمد التابعي يوصف صوتها قائلًا “وكان في صوتها الرقيق الحزين شيء ما لا تألفه الأذن لأول مرة، وإن تكن تستريح إليه، شيء كثيرًا ما حاولت أن أحدده وأجد له صفة أو وصفًا أو اسمًا فلم أوفق!”.

القطيعة الأولى 

 ورغم نجاحاتها المستمرة وتألقها الدائم، وفرحة فريد بشقيقته الصغرى التي استطاعت أن تخطو في الطريق الذي رسمه لها منذ أن كانت طفلة تجلس تدندن معه في المنزل، وحتى وصلت لأن “أم كلثوم” التي كانت في حينها مطربة مصر الأولى، إلا أنه حدث ما لم يتخيله أحد، لتكون القطيعة لستة أعوام متتالية، غابت فيها قيثارة السماء تمامًا دون أن يعرف عنها أحدًا شيء، فكان الغياب وعدم الاستمرار رغمًا عنها، بسبب زواجها من ابن عمها حسن الأطرش، والذي منعها من الغناء بحكم العادات والتقاليد في عائلة الأطرش التي تنتمي للدروز بسوريا.

وبمجرد طلاقها منه في العام 1938 كان فريد في انتظارها وسرعان ما دفعها للعودة إلى الغناء بتلحينه لها أغنيات “عليك صلاة الله وسلامه”، و”نويت أداري آلامي”، ثم كانت ثنائية فريد وأسمهان في فيلم انتصار الشباب عام 1941، استمرارًا لدور فريد في تشكيل مسيرة شقيقته الفنية، حينما لحن لها جميع أغنيات الفيلم ومنها “الورد وانتصار الشباب، الليل، كان لي أمل، الشمس غابت أنوارها، يالي هواك”.

عادت أسمهان مرة أخرى إلى لتتصدر صفحات المجلات والصحف، وبرغم رحلة معاناتها في زيجاتها من ابن عمها وغيابها عن الفن لست سنوات متتالية، إلا أنها عادت لقمة مجدها الفني، واستمرت حتى 14 يوليو 1944، وقبل أن تنتهي من تصوير فيلمها الثاني “غرام وانتقام”، حدث ما لم يتخيله أحد، وذلك بوفاتها بعد انقلاب سيارتها في ترعة الساحل بقرية طلخا أثناء ذهابها لرأس البر للتنزه، تاركة وراء موتها لغز كبير حتى الآن، وذلك عن عمر يناهز الـ 32 عام.

وقع ذلك على فريد أثر الصدمة، وكأن مشروعه الفني لشقيقته الذي اختتمه بأغنية ليالي الأنس في فيينا، لم يكتب له أن يكتمل، وظل في سنوات حياته حتى وفاته يبحث عن موهبة مثل أسمهان إلا أنه لم يجد، وأكد ذلك في حوار أجرته مع ليلى رستم “كنت أتمنى أن تتواجد أسمهان مرة أخرى، لأقدم أعمال عظيمة أخرى معها، لكنني لم أجد صوت مكتمل مثلها، وأتمنى من ربنا أن يرزقنا به”.

 

Facebook Comments

One thought on “امرأة هزت عرش أم كلثوم.. كيف شكل فريد الأطرش مسيرة أسمهان الفنية؟

Comments are closed.