أفيش

الفن بطريقتنا

الموسيقار ياسر عبد الرحمن .. جمال مزامير الشيطان

يوليو 12, 2020 6:57 م -- بورتفوليو

 

لا أعرف ما السر وراء الموسيقى؟ ولا أظن أن أحدا يعرف، كلها اجتهادات ومحاولات لتحديد المعنى والإجابة والوصول إلى إجابة مرضية عما تفعله الموسيقى في وجداننا.

الموسيقى سحر.. وسحرها في كونها حرة طليقة، غير مختزلة، غير محددة، وبالتالي تؤثر في الأعماق، بل وتعبر عنا.

يسأل البعض: كيف هناك من يقول إن نغمات الموسيقى من الشيطان؟ فإذا كانت بالفعل من الشيطان؟ فما الذي يصدر عن الملائكة إذن؟

والحقيقة أن الذين لا يستمعون إلى الموسيقى ولا يتذوقون جمالها، ليس لديهم حاسة فنية، بل إنهم خطر على المجتمع ويجب أن تحذرهم.

في مسرحية “تاجر البندقية” لوليام شكسبير، أحدهم يحذر الآخر: احذر من فلان إنه رجل خطير لا يتذوق الجمال، سهل أن يكره ويجرم ويقتل.

الشيخ الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين” ينقل ويقول: “من لا يحركه الربيع وأشجاره والعود وأوتاره، فهو فاسد المزاج ليس له علاج”.

ابن سينا يقول: “الموسيقى فيها شفاء وتعزيز الطاقة العقلية للإنسان”، وكذلك الرازي يقول: “الموسيقي تقي الإنسان من تأجج أزماته النفسية”.

وللأسف هؤلاء الذين يصطادون في المياه العكرة بنصوص جامدة استطاعوا أن يشوهوا الموسيقى بها في قلوب الناس، هم أنفسهم الذين يقرأون كلام الله بالمقامات الموسيقية وهي بالمناسبة التي تترك أثرا كبيرا في نفوسهم وتدغدغ عاطفتهم الدينية، وبدونها لن يحدث ذلك غالبا.

ياسر عبد الرحمن عبقري يلعب بالكمنجا ويدغدغ عاطفتنا

هذه مقدمة كان لا بد منها، فنحن في حاجة دائما إلى إعادة تعريف الأشياء وعدم الاستسهال للنظر إليها بطريقة تم توارثها وكأنها حق مطلق، ومنكر وإثم نخجل منه، فلا أحد من الممكن أن يخجل من سماع الموسيقى إلا وفي قلبه مرض.

وهذه الخاطرة جاءت لي وأنا أستمع مؤخرا إلى مقطوعات موسيقية للموسيقار ياسر عبد الرحمن، ومن لا يعرف ياسر فهو أحد هؤلاء الكبار في عالم الموسيقى العربية، يحمل الدكتوراه في الموسيقى من ألمانيا، ودائما ما يثير الشجون بكمانه الخاص والمتميز في كل لحن ومقطوعة يقدمها.

قدم أعمالا عديدة تحمل بصمته الخاصة مثل: “الوسية، المال والبنون، الضوء الشارد، الليل وآخره، حضرة المتهم أبي، الحقيقة والسراب، فارس بلا جواد، السادات، ناصر 56، هي فوضى، كناريا وشركاه”، وغيرها من الأعمال الخالدة في ذاكرتنا الإنسانية.

ويسأل أحدهم: “كيف نتأثر بهذه النغمات، والترددات الحرة رغم أنها لا تنطق كلاما؟”.

والحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال يكمن في كونها تلمس معنى مغروس بداخلنا لا نعرفه، فيكون تأثيرها أكبر من الكلمات إذا قيلت، لأننا عندما نقول الكلام، فنحن نحدده ونغزله ونشوهه، أما النغمة فهي حرة طليقة وبالتالي تأثيرها أكبر وأعمق.

وسر جمال مزامير ياسر عبد الرحمن في الشجن الذي يملؤها، ليس ذلك فقط، بل إنه استطاع من خلال موسيقته أن يساهم في نجاح أعمال تلفزيونية متوسطة المستوى، فتخيل معي مسلسل “الحقيقة والسراب” بدون موسيقته في البداية والنهاية وداخل مشاهد المسلسل المختلفة؟

إن كمنجا ياسر هي أروع ما فيه موسيقته، دائما هناك شجن وماض وأنات تهتز لها القلوب، يلعب على جميع الأوتار الإنسانية، لذلك هو الأكثر تأثيرا وإدهاشا.

الطبيعة الميلودرامية لموسيقته هي من أدخلته إلى قلوب الناس، ليس ذلك فقط، بل شرقيته الخالصة هي أحد الأسباب المهمة التي جعلته متربعا على عرش الموسيقيين الكبار حتى في بدايات مشواره.

Facebook Comments