أفيش

الفن بطريقتنا

رسائل أحمد زكي في فيلم الاحتياط واجب: التغيير ليس مستحيلا

سبتمبر 15, 2020 11:43 ص -- عربي

يقول الفيلسوف والمفكر الإنجليزي جون لوك في نظريته عن الفهم البشري: ” إن الإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء، وكل ما يقوم به الإنسان من سلوك هو عبارة عن شيء مكتسب من البيئة المحيطة “.

فالبيئة تُشكّل الإنسان كيفما تكون، فالبيئة السليمة تصنع إنسانًا سويًا، والسياق العليل يصنع إنسانًا مضطربًا، والظروف القاسية تنتج إنسانًا قاسيًا، والبيئة القويمة تولد إنسانًا مستقيمًا، وهكذا، حتى يصبح المرء على الحالة التي هو عليها الآن.

وحينها يُصبح من الصّعب أنْ يتغير؛ إلا إذا تغيرت وتحسنت الظروف التي أدت إلى إنحرافه، ووجد من يستخلص طاقات الخير الكامنة فيه، حينها يمكن أن يصبح عنصرًا ايجابيًا فعالًا في المجتمع.

تأثير المجتمع على تربية الفرد

عن تأثير البيئة الاجتماعية على تربية وتنشئة الفرد، ومحاولة تهذيبه، وتقويمه، وإصلاح إنحرافه، وتغيير سلوكه إلى الأحسن تدور أحداث فيلم ( الاحتياط واجب ) إنتاج عام 1983، حول حسان اليماني (أحمد زكي)، الشاب القادم من الريف بعد تخرجه للعمل في العاصمة كأخصائي اجتماعي فى إحدى الإصلاحيات لرعاية الأحداث.

يقابل نماذج مختلفة من الشباب المنحرف داخل الإصلاحية، ويواجه المعاملة القاسية التى يتعرضون لها من المشرفين عليها بمعاملة أفضل، ويكتسب صداقة النزلاء الذين يتحسن سلوكهم تدريجيًا، وينشأ جو من الود بين الجميع، إلى أن تحدث بعض المواقف والمفارقات ونقاط التحول التي تغير من أحداث الفيلم.

الفيلم من بطولة: أحمد زكي – مديحة كامل –  أبو بكر عزت – ليلى طاهر –  محسن محيي الدين  دينا عبدالله ، شريف منير، محسن محيي الدين، ومن ﺗﺄﻟﻴﻒ: ماهر إبراهيم (قصة وسيناريو وحوار)  أحمد فؤاد (سيناريو وحوار) أسامة أبو طالب (سيناريو وحوار وأغاني)، ومن ﺇﺧﺮاﺝ: أحمد فؤاد.

كيف عالج فيلم الاحتياط واجب قضية إهمال التربية؟

يعالج الفيلم عددًا من القضايا الهامة على المستوى الاجتماعي، والنفسي، والمؤسسي.

فعلى المستوى الاجتماعي نلاحظ تأثير الظروف الأسرية والاجتماعية الصعبة التي عاشها نزلاء الإصلاحية وأدت إلى إنحرافهم، وإتجاههم إلى الجريمة انتقامًا من المجتمع الذي تجاهلهم، وأهمل في حقهم.

ولا يقتصرالاهمال في تربية الأبناء على الفقراء فقط، بل يشير العمل أن هناك إهمال للأبناء من نوع آخر لدى الأغنياء والميسورين نتيجة الاهتمام بتوفير المتطلبات المادية، وإغفال الاحتياجات النفسية، كذلك تأثير الخلافات الزوجية، وانخراط الأب في علاقات غرامية أدى إلى إتجاه الإبنه المراهقة إلى التدخين، وتقليد أبطال السينما، والدخول في علاقات غرامية في سن مبكرة.

على المستوى النفسي نلاحظ أهمية احتواء و” ترويض ” نزلاء الاصلاحية، وإعادة ثقتهم في أنفسهم، ودمجهم في المجتمع مرة أخرى، عن طريق توفير فرص للتدريب وتعليم الحرف، وتوفير فرص العمل.

من الناحية المؤسسية يعرض الفيلم لبعض المشكلات التي تعاني منها دور رعاية الأحداث، والمعاملة القاسية التي يتلقاها نزلاء الإصلاحيات، كذلك إهمال، وتسيب، وإنخفاض كفاءة وتأهيل العاملين بها، وفساد المحيطين بالمسئولين عنها.

هكذا بدأ الحب بين نرجس وحسان

يحاول حسان اليماني تغيير الأجواء في الإصلاحية، وكسب ود نزلاءها، فينجح بصعوبة في إقناع مدير الإصلاحية بالخروج في رحلة مع نزلاء شباب الإصلاحية، وافق المدير على مضض متهمًا حسان بالجنون، وفي طريقهم تصطدم سيارة الرحلة بسيارة نرجس – مديحة كامل – التى تستضيفهم فى منزلها حيث تعيش مع أخيها وزوجته وابنتهما.

يسعى الأخ دومًا إلى استغلال أخته والاستيلاء على أموالها ونصيبها في مصنع والدها لذا يقف ضد زواجها.

ينمو الحب بين حسان ونرجس في وقت قصير، ولكن هل هو حب حقيقي؟ هل يكتمل هذا الحب؟

حسان يكسب الرهان

خاض بطل العمل حسان اليماني مجموعة من التحديات، والرهانات، وفاز بها جميعًا بدءًا من التحدي الأول وقدومه من قريته للعمل بالعاصمة رغم توسل أمه إليه أن يبحث عن عمل قريب من قريتهم.

التحدي الثاني، إيمانه بالأسلوب الإنساني العلمي التربوي، ورغبته في تغيير أسلوب إدارة الإصلاحية، وأسلوب التعامل مع المُلحَقين بها رغم فشل ١٢ أخصائي إجتماعي جاءوا قبله إلى الإصلاحية لكنه أقبل على المواجهة وقبل التحدي.

رهانه على موافقة مدير الإصلاحية على الخروج في رحلة مع النزلاء رغم معارضته الشديدة في البداية.

رهانه على تسليم إحدى الطلبيات الكبيرة المطلوبة من المصنع في الوقت المحدد وإنقاذه من الإفلاس رغم إضراب العمال، وتمكنه بمساعدة شباب الإصلاحية من استرداد أموال نرجس من أخيها الذى يطمع فيها، وكمكافأة لشباب الإصلاحية يطلب المدير – الفنان محمود الزهيري – فى مذكرة للمسئولين بخروج النزلاء إلى الحياة والعمل بالمصنع فتتم الموافقة.

وفي النهاية يربح الرهان الأكبر ( قلب نرجس )، حينما تأكد في نهاية الفيلم من حقيقة مشاعرها نحوه، وأن حبها له كان حقيقيًا، وليس مجرد إعجاب بشهامته ووقوفه إلى جوارها، أو حيلة أبتكرتها لاسترداد حقها من أخيها.

كيف قدم أحمد زكي نفسه كوميديانا في الاحتياط واجب؟

لا يصنف فيلم ” الاحتياط واجب ” ضمن أشهر وأعظم أعمال الفذ أحمد زكي، بل يرى بعض النقاد أن هذا العمل “دون مستوى موهبته”، قياسًا لأفلامه الأخرى.

 إلا أن قيمته الحقيقية تكمن في أنه أحد الأدوار الكوميدية الخفيفة القليلة لزكي في السينما.

قدم أحمد زكي شخصية حسان اليماني بتلقائية، وعفوية، وبساطة أبناء الريف، وبانفعالات طبيعية شديدة الصدق ظهر ذلك من المشاهد الأولى للفيلم، وحواراته مع نزلاء الإصلاحية، وروحه المرحة، وسرعة بديهته في التجاوب معهم، دون الإخلال بدوره كأخصائي مهمته أن يساعدهم ويحتويهم.

لعب زكي دور المايسترو في قيادة مجموعة من الشباب الصاعد في ذلك الوقت في أدوار نزلاء الإصلاحية.

أمثال “علاء عوض، والراحل وائل نور، ومحمد السقا، والراحل عبد الله محمود، ومحسن محيى الدين، وشريف منير”، وظهرت على الشاشة، الروح السائدة بينه وبين مجموعة العمل.

في بقية الأدوار، لعبت مديحة كامل شخصية الأخت التي تتحدى أخيها، وتواسي زوجته، وتُقوِم سلوك ابنتهما، وتطالب بنصيبها في المصنع، وتدافع عن حقها في الزواج بمن تريد، تعكس المشاهد الرقيقة التي جمعتها بأحمد زكي احتياجها إلى فارس نبيل ينتشلها من ظروفها، وينقذها من الواقع الذي تعيشه.

ولعبت ليلى طاهر دور الزوجة المغلوبة على أمرها، التي تعاني من سوء معاملة زوجها – الفنان أبو بكر عزت – وخيانته لها، إلى أن واتتها الفرصة ووقفت إلى جوار نرجس في إنقاذ المصنع.

وجوه صاعدة

في أدوار نزلاء الإصلاحية اجتهدت مجموعة الشباب الصاعد في تقديم شخصيات المنحرفين ضحايا ظروف عائلية اجتماعية قاسية، وخرجت مشاهدهم خفيفة الظل مليئة بالشقاوة والمواقف الصبيانية الطريفة رغم ما يعانوه من الشقاء، ما بين مشاكسة حسان، وتدبير المكائد، ومحاولات الهروب من الاصلاحية.

قدم الفنان محمود الزهيري دور مدير الإصلاحية، صاحب الشعارات الطنانة الرنانة بطريقة كوميدية، ومعه الفنان إبراهيم نصر في دور مشرف بالإصلاحية والذي كان بمثابة عصا الإدارة في معاقبة نزلاء الإصلاحية، وأحد الذين حذورا حسان من ” تدليله ” للنزلاء والتساهل معهم، وتميز بلازِمَة كلامية بإضافة كلمة ” طقم ” في حديثه

“يخاطب النزلاء آمرًا طقم أدب – ويتشفى في حسان ب” طقم غتاتة ” ويحذره من عنف شباب الإصلاحية المتمثل في ” طقم البشل والأمواس”

أخطاء كان يمكن تجنبها

لا يخلو الفيلم من بعض الهفوات الصغيرة التي كان يمكن تجنبها ببعض المراجعة والتركيز، مثل سفر حسان من قريته إلى العاصمة بسلة طعام فقط، دون حقيبة سفر بها أغراضه وملابسه، ومشهد السيجارة المشتعلة التي انتزعتها نرجس / مديحة كامل من بنت أخيها المراهقة المتمردة واختفت من اللقطة التالية في نفس المشهد دون أم ترميها من النافذة، أو تضعها في الطفاية، ومشهد ظهور ” ميكروفون ” متدلي من سقف إحدى غرف الإصلاحية في أحد المشاهد.

الأغاني في الفيلم بعضها منطقي وله ضرورة درامية كأغنية مجموعة الشباب في السيارة التي تقلهم إلى الرحلة، وهو مشهد معتاد في أعمال كثيرة سابقة، وأغنيات أخرى مفتعلة، وزائدة، فقط لمجرد ان يبدو الفيلم إستعراضيًا، حيث نرى الشخصيات تقفز فجأة لتغني بدون مناسبة ودون أية ضرورة درامية فنية.

معلومات خارج الكادر.. أحمد زكي يطلب يد هالة فؤاد في كواليس الاحتياط واجب

كانت كواليس تصوير فيلم ” الاحتياط واجب ” شاهدة على قصة حب وزواج هالة فؤاد وأحمد زكى في عام 1983، حيث كان زكى يجلس مع المخرج أحمد فؤاد ومعه ابنته هالة فؤاد، وابنه الأصغر هشام، لحين تجهيز الكاميرا.

 تطرق الحديث إلى موضوعات شتى، وفجأة قال أحمد لوالد هالة: “شوف يا عم أحمد، من غير لف ولا دوران، عايز أتجوز بنتك هالة ومفيش معايا فلوس، اللي جاي على أد اللي رايح.. الصراحة حلوة”، فقال أحمد فؤاد: “تعجبني صراحتك، وأحترم فيك إنك راجل دوغري، وأنت فنان محترم وملتزم وقدير، ولا أجد أفضل منك زوجا لابنتي، بشرط أن توافق هالة” ولم يمض أسبوع حتى تمت الخطوبة وتحدد يوم 19 مايو 1983 للزفاف، ولم يستمر الزواج طويلا وتم الطلاق في 29 سبتمبر 1985.

ويعد فيلم ” الاحتياط واجب ” أول الأعمال الفنية للفنان شريف منير خلال مسيرته، ولم يتجاوز أجره خلال الفيلم الـ75 جنيهًا، إلى جانب عمله مع إحدى الفرق الموسيقية.

قدم فيلم (الاحتياط واجب) رسالة إلى المجتمع مفادها أن الإنسان لا يولد مجرمًا أو منحرفًا بفطرته، وأن القهر، والعنف، والتسلط كلها أساليب لا تصلح لإدارة أي شيء، ولا يمكن ان تثمر عملاً أو حبًا لا على المستوى العام، ولا المستوى الخاص، ودعانا جميعًا إلى الحذر والإحتياط في أسرنا، وبيوتنا، وعملنا من الظروف التي نفرضها نحن أو تفرض علينا، وتشكلنا، وتؤثر علينا، وتقف عائق أمام تغيرنا للأفضل.

Facebook Comments

One thought on “رسائل أحمد زكي في فيلم الاحتياط واجب: التغيير ليس مستحيلا

Comments are closed.