أفيش

الفن بطريقتنا

بنات ثانوي.. فيلم يغطس في أعمق مستويات السطحية

أبريل 20, 2020 11:35 ص -- عربي

بعد مشاهدة فيلم بنات ثانوي، أي إنسان طبيعي سيسأل نفسه: “كم يوما استغرق المؤلف فيه كتابة هذا العمل؟”.

السؤال هنا محاولة لفهم درجة الإخلاص والضمير في صناعة العمل الفني. 

بحسب ما قال الدكتو زكي نجيب محمود منذ زمن بعيد، فإن الاستسهال هو المهدد الأول للحركة الأدبية والفنية، وأنا هنا لا أقوم بتنظير ما، لكن أؤكد أن الفرق بين صناع السينما في مصر وبين صناعها في الغرب، يتوقف على الضمير والإخلاص ودرجة الوعي بالمسؤولية.

فأغلب القائمين على العمل السينمائي في بلادنا لديهم يقين بنظرية أن أي شيء سيتم تقديمه للناس سوف ينجح ويلقى رواجا، وهو استسهال بذائقة الجمهور ووعيهم.

إذن إلى أي حد وصلت درجة الاستسهال والاستخفاف بالجمهور في فيلم “بنات ثانوي”؟

مؤلف بنات ثانوي تورط في الحبكة.. فأنهى كل شيء سريعا

حاول المؤلف أيمن سلامة أن يصنع فيلما برسالة ومغزى أخلاقي، اختار لقصته خمس فتيات في مرحلة الثانوية العامة، تعرض فيها إلى ما يسمى “ناقوس الخطر” حسبما قال.

وهنا السؤال: طالما العمل يهدف إلى رسالة أخلاقية ومجتمعية، فهذا أن يعني أن هناك مقدمات ستنتهى إلى نتيجة حتمية لتحذير الجمهور والفتيات، فهل كانت النهاية المأساوية في الفيلم تليق بالمقدمات والحيثيات التي قدمها المؤلف في قصته؟.

الإجابة: لا.

معالجة الفكرة كانت ركيكة للغاية، نستطيع أن نقول بكل أمانة أن المؤلف أيمن سلامة غاص في أعماق سطح الفكرة دون أن يتناول أبعادها بشكل أكثر تماسكا، بل بدت كتابته متعجلة، رغم أنه بدأ سرد القصة واستعراض شخصياته بشكل ذكي.

أبطال فيلم "بنات ثانوي"
أبطال فيلم “بنات ثانوي”

تجلت هذه الطريقة الذكية عن طريق البث المباشر التي تقوم به “سالي” في المشهد الأول وإشارته إلى سيطرة التكنولوجيا الحديثة على حياة الجيل الجديد. 

لكن مع مرور كل مشهد كان أيمن سلامة يؤكد أنه كتب هذا الفيلم في جلسة واحدة، وعندما جاء في منتصف القصة، أحس بالتورط، فقرر أن ينهي كل شيء، فتحول الفيلم فجأة إلى حوادث انتحار ومؤامرات وابتزاز جنسي وجثة لا يعرف الأبطال كيف يتخلصون منها، ولا يعرف المشاهدون حتى، لماذا حدث كل هذا فجأة وما الداعي؟.

هل الفتيات أجرمن؟ هل ما فعلوه يستحق كل هذا العقاب وتلك النهاية المأساوية على طريقة شكسبير؟ إنها في الحقيقة نهاية ليست حتى على مستوى روايات عبير، فالفيلم لم يتعمق في التفاصيل الشخصية لكل فتاة، ولا في الخلفية الاجتماعية.

الفيلم مر مرورا سريعا على كليشيهات ترجع إلى أفلام فترة الخسمينيات، فتاة والدها مدمن، وأخرى والديها توفيا وتعيش مع خالتها، وجريمتها أنها تكذب على صحباتها بأنها تحب شابا غنيا وعندما يكتشف صحباتها الكذبة يقاطعونها، فتنهار وتقرر الانتحار!.

المؤلف أيمن سلامة
المؤلف أيمن سلامة

فيما نرى “سالي” التي تقوم بدورها جميلة عوض، من أسرة ثرية لكن انهارت هذه الثروة بعد أحداث ثورة يناير، فأصبحت الآن من أسرة متوسطة ماديا وجريمتها لا أحد يعرفها لأن هناك ثقوب كثيرة في رسم شخصيتها، بينما “أيتن” فتاة تعيش مع شقيقها بعد وفاة والديها، تلتزم دينيا بعد وجريمتها أنها وقعت في حب شاب ملتح، لتنتهي قصتها بأنها تتورط في جثة هذا الشاب داخل شقتها بعد زواجه عرفيا منها، أما الفتاة الأخيرة “رضوى” فهي دلوعة والدها، وجريمتها أنها تحب أستاذها في المدرسة.

بكل بساطة هذه هي قصة الفيلم في ساعة ونصف، التي انتهت بمحاولة فجع المشاهدين، فتحولت المشاهد المتتابعة الأخيرة إلى إضحاك الجمهور بدلا من أن تبكيه، لأنه لا يوجد مبرر أو زرع في القصة لهذه النهاية المفاجئة والمبالغة في “الشحتفة” و”الدماء” و”الموت” و”المرض”، لأنك إذا أردت أن تدغدغ مشاعر المشاهدين، يجب أن تكون هذه الدغدغة أمينة ومناسبة للقصة.

جميلة عوض.. ما زالت تتحدث من أنفها

شخصية “سالي” من أغرب الشخصيات، على مستوى الأداء ومستوى الكتابة.

 من ناحية الأداء، فالفنانة جميلة عوض ما زالت تتحدث من الخارج إلى الداخل، وليس العكس.

يبدو صوتها دائما خارجا من أنفها في كل أدوارها، لا قدرة لها على التلون أو التمتع بتكنيك في الأداء يجعلها مختلفة في دور عن دور آخر، تتحدث بطبيعتها التي تظهر بها في البرامج، هي لا تمثل، فهي تحفظ الكلام المكتوب ثم تقوله كما هو، رغم أنها في هذا الفيلم كانت تتكلم بطريقة “البنت الشعبية” التي يبدو أن الممثلات الخمس اتفقن عليها، وهي طريقة غريبة تدل على عدم دراية وثقافة هؤلاء الممثلات بطبيعة البنات في تلك المناطق.

أما على مستوى الكتابة، فهناك ثغرات وفجوات في هذه الشخصية، خاصة في علاقتها بـ”سيد” الذي قام بدوره محمد الشرنوبي، فالتأسيس لبداية العلاقة والنهاية، يؤكد أن المؤلف والمخرج لم يكونا على درجة كافية من التركيز.

جميلة عوض
جميلة عوض

فنحن نرى في البداية علاقتها بالشرنوبي وهو يدعى “علاء سرحان” الشاب الثري، ثم نكتشف بعد ذلك أنه ميكانيكي وهي لا تعلم حقيقيته، لكن في النهاية عند ورطة البنات في الجثة، تناديه بـ”سيد”، وتؤكد له أنها كانت تعرف كل شيء عنه واسمه الحقيقي “مش إنت بس اللى كنت بتتسلى بيا، أنا كنت بتسلى برضو”.

 والحقيقة أن هذا الحوار الذي قالته أصاب المشاهدين بصدمة، فإذا كانت هي تعلم كل ذلك، فما تفسير كل الصدمات والانفعالات التي كانت تشعر بها طوال الفيلم وهي وحدها؟

مثلا عندما تركها في المطعم ولم يعد لها ولم يرد عليها؟، كما أن هناك فجوة غريبة، عندما أخبرته في النهاية أنها كانت تعلم قصة “أكاونت” المصورة التي أرسلت إليها طلب صداقة لتذهب لها، فكيف كانت علم رغم أنها في المشهد السابق، كانت تطلب من صديقتها “أيتن” أن تأتي معها، فهي قصة مشوشة وشخصية غير واضحة المعالم وهناك بدايات بدون نهايات وخيوط ثانوية غير مكتملة، وكوكتيل من الحيرة والقفزات الغريبة، وعدم الإلمام والإمساك بتفاصيل كل شخصية.

محمد الشرنوبي يعاقب الجمهور بأداء كوميدي مفتعل

من المفترض أن الفنان الشاب محمد الشرنوبي يقدم دور شاب ميكانيكي “صايع” في الفيلم، وهو اختيار لم يكن موفقا، لكن المعروف أن المسألة تدور إنتاجيا بالفهلوة “هذا دور شاب.. هات فلان.. وذلك دور فتاة.. هات فلانة” دون أي معايير واضحة، وبالتالي ظهر محمد الشرنوبي مسخا، يحاول أن يخلق صورة لنفسه بأنه شاب من منطقة شعبية “صايع”، فبدا مفتعلا وغريبا و”لزجا” كما وصفه الجمهور في المقطع المسرب لأحد المشاهد له مع جميلة عوض، وهو يقول لها: “يا نوحي يا نوحي.. إنتي معملتيش الواجب”.

ولدى الفنان محمد الشرنوبي نفس مشكلة الممثلات الخمس، فأداء شخصية الشاب ابن البلد الميكانيكي، لا تكون بهذه الطريقة المفتعلة، فعلى ما يبدو أن المشكلة هنا، هي مشكلة المخرج الذي لم يسيطر على انفعالات ممثليه وطريقة أدائهم، فتركهم يتحركون ويتكلمون بشكل حر، فبدت كل شخصية غير قابلة للتصديق، ومضحكة لأنها بدلا من أن تقدم تأثير عاطفي، قدمت “هراء عاطفي” مبالغ وغير محكوم.

مي الغيطي.. التمثيل ليس هكذا.. ومهران يتفوق على الجميع!

كانت مي الغيطي التي قدمت دور “شيماء” إحدى أدوات النشاز الكبرى في الفيلم، تصورها طوال الفيلم عن الأداء التمثيلي المؤثر الفعال هو “الشحتفة” و”الصريخ” و”الصوت العالي”، غير أن الشخصية التي لعبتها لم تكن واضحة وبها خيوط مقطوعة كثيرة كعادة كل الشخصيات.

مي الغيطي
مي الغيطي

بينما كان الأداء الأكثر تفوقا للفنان الشاب محمد مهران، الذي قام بدور الشاب الملتحي الذي يخدع “أيتن” ويتزوج  منها عرفيا، فكان أداؤه بعيدا عن المبالغة والتكلف، رغم عبثية الدور وإسقاطاته وحواراته الساذجة التي يتحملها المؤلف.

الخلاصة: كان هذا الفيلم محاولة جادة، لمناقشة قضايا المراهقات وخطورة هذه المرحلة، لكن وقف هذا العمل بمخرجه ومؤلفه ومنتجه وممثليه، على سطح القضية، بلا تفاصيل، بلا تفاسير، أو تأصيل، فقدموا لنا في النهاية عملا مراهقا عن مجموعة مراهقات.

 

Facebook Comments