أفيش

الفن بطريقتنا

عبد الفتاح القصري.. فنان معذب في الأرض خانته زوجته مع ابنه

أبريل 22, 2020 12:56 م -- بورتفوليو

عبد الفتاح القصري تميز بقصر قامته، وإصابته بالحول في عينيه اليسرى، بجانب شعره الأملس، ووجهه البشوش المضحك، ولأن طريقة نطقه للكلمات كانت على غير المعتاد، يمد الحروف مثل التجار، ويختتم الكلمات كما المعلمين وأولاد البلد.

فقد ميزه ذلك بروح كوميدية نادرة التكرار، كانت لها الفضل في أن يكون عملاقا للكوميديا العربية بلا منازع، وأن يلتصق اسمه بكبار نجوم الفن، إلا أن هذا الرجل الضاحك  الذي أسعد الملايين على مدار مشواره الفني الذي استمر سنوات طويلة ولا يزال حتى الآن، رحل باكيًا لا يمتلك أي شيء من ثروته، بعد أن استولت عليها زوجته وابنه بالتبني، وبعد أن حرمه القدر من نور عينيه.

عبد الفتاح القصري

عبد الفتاح القصري.. حرمه أبوه من الميراث بسبب عمله بالفن

رسم “عبد الفتاح القصري” الابتسامة على وجوه الصغار قبل الكبار، وأدخل البهجة إلى قلوب الجمهور العادي قبل النقاد، لعب دور المعلم في معظم أعماله، وبسبب إتقانه لهذا الدور أشيع عنه أنه أمي لا يجيد الكتابة ولا القراءة، لكن المفاجأة التي لا يعلمها الكثيرون أنه درس في مدرسة الفرير العريقة التي كان لا يدخلها سوى كبار القوم وفيها أتقن العديد من اللغات.

لكن ذلك لم يغير من طبيعته كابن بلد تمتلكه الروح المصرية الخالصة وخفة دم البسطاء أبناء الحارة. ورغم أنه بدأ حياته بصراع مع أبيه الذي هدده بأن  يحرمه من الميراث اذا استمر الفن، لكنه ضحى به لأجل أن يقف على خشبة المسرح، ويدخل البهجة إلى المشاهدين، هذه البهجة التي حرم منها في أواخر حياته بعد أن خاصمته الأيام وجلبت له الآلام والغدر ليموت كمدًا .

في مايو عام 1905، ولد عبد الفتاح في الجمالية، لعائلة ثرية تعمل في الصاغة أي تجارة الذهب، فوالده فؤاد القصري كان يمتلك العديد من محلات ذهب كواحد من كبار التجار، بعد أن توارث المهنة عن حافظ القصري جده.

عبد الفتاح القصري وزينات صدقي

لقبت عائلة عبد الفتاح بـ “القصري” لأن أجداده كانوا من ضمن العاملين بالوظائف الإدارية داخل القصر الفاطمي بمصر القديمة بعد انهيار الدولة الفاطمية، هؤلاء العاملين أطلق عليهم اسم “القصريون”.

ورغم أن جده اتجه للعمل في مجال الصاغة، بعيدًا عن القصر بعد ذلك، لكن اسم القصري ظل مرتبطا به، وأصبحت تجارة الذهب مهنة العائلة، التي استمرت لسنوات طويلة إلى أن جاء الحفيد “عبد الفتاح” وسلك الفن بدلًا من التجارة في الذهب.

عبد الفتاح القصري.. من عائلة جواهرجية أبا عن جد

كانت فرحة الأسرة شديدة وعارمة بولادة عبد الفتاح، خصوصا الجد الذي كان يحلم بأن يكون له حفيدا حتى يكتب لاسم القصري الاستمرار في الحياة،  لدرجة أنه أقام حفلات لمدة أسبوع، احتفالًا بحفيده،  دعا فيها جميع عائلات الجمالية، وأحضر فرق الانشاد والابتهالات، وذبح العجول ليطعم جميع أهالي الحي من الفقراء والمساكين، واحتفلت الجمالية كلها بالقصري الصغير، الذي أدخل الفرح في قلب كل القصريين.

حظي الحفيد بمكانة خاصة في العائلة، ينتظر الجد الطفل أن يكبر، حتى يستطيع أن يأخذه معه إلى الصاغة، ويقحمه وسط الباعة، حتى يتلقى عقله أصول البيع والشراء.

يمر الوقت ويكبر الطفل، فهو الذي سيحافظ على اسم العائلة وعلى تجارة جده في السوق التي ضحى من أجلها سنوات عمره، كان الجد قد يأس بسبب مرور سنوات طويلة وابنه بلا إنجاب حتى بدأ الخوف يسكن قلبه في أن تجارته ستأتي عليها يوم وتنتهي.

عبد الفتاح القصري يشتري عجلا

لكن عاد الأمل إلى قلبه من جديد  بولادة القصري الحفيد، ارتبط الجد به ارتباطًا شديد، وبدأ في اصطحابه دومًا معه، وبعد عامين فقط من ولادته، بدأ يأخذه معه إلى الصاغة في الصباح، وعلى المقاهي وجلسات تجار الجمالية في المساء، وهناك تعلم عبد الفتاح أصول الحارة، ولغة أبناء البلد المعلمين، غير أن جده كان كلما صنع لنفسه جلبابا؛ يأتي لحفيده بمثله.

ومن هنا تكونت روحه الخاصة  التي أضحكت المصريين جميعًا وجعلت منه بعد أن دخل عالم الفن عملاقا للكوميديا المصرية من حيث الجلباب الذي ظل يرتديه في رحلته الفنية أو لغة المعلمين الذي عرفها من مجالسته لهم منذ الصغر.

عبد الفتاح القصري.. كان في طفولته ذكيا ونبيها

لم يكن الأب فؤاد القصري سعيدا بما يفعله والده مع ابنه، فهو يود أن يرى ابنه في غير الجلباب البلدي والشال، كان يريده مثل أبناء الطبقة العالية، ولا يخالط أبناء الحارات ويتطبع بطباعهم، يرفض أن يتربى عبد الفتاح مثله في الحارات ووسط  التجار والبائعين.

لذلك بدأ يبحث لابنه عن مدرسة تكون في أعلى المستويات التعليمية والثقافية، حتى ترتقي بولده من مستوى ثقافة الحارة لمستوى ثقافة أولاد الذوات، وبالفعل ألحق الولد بمدرسة الفرير الفرنسية والتي تعد من أهم المدارس في مصر الملكية، ولا يتعلم فيها سوى أولاد الأسرة العلوية الحاكمة.

بدأ الطفل الدراسة بقسم المصروفات، كان يتميز بالذكاء وسرعة البديهة، إلى الدرجة الذي يستطيع فيها أن يحفظ الدروس بمجرد أن يسمعها، لكنه كان غير ملتزم، فبرغم اختلاطه بالطبقة العالية في المجتمع إلا أنه ما زال يخالط أبناء الحارات، يذهب إلى المقاهي ليلًا.

أبدت إدارة المدرسة استيائها من الولد الذي يصل دومًا متأخرًا، وغير مؤدي لواجباته المدرسية، إلا أن الطفل وصل معه الأمر للعناد مع الوالد الذي اعترض على سهره ليلًا، وعدم اهتمامه بالدراسة الذي دفع له فيها أموالا لا تحصى حتى يبعده عن هذه الأجواء التي أصبحت تسيطر على تفكيره.

يتجه عبد الفتاح إلى جده حافظ القصري، ويطلب منه بأن يقنع والده بعدم الذهاب إلى المدرسة، مقابل وجوده في المحل وأن يحترف تجارة الذهب، يتدخل الجد في الأمر ، فهو لا يهمه التعليم بقدر ما يهمه أن له حفيدا سيورث عنه المهنة، وبالفعل لا يستطيع فؤاد القصري أن يقول لأبيه شيئًا، ويترك الفتى الدراسة، وليبلي بعدها بلاء حسن في العمل، فكانت لدراسته أثرًا بليغًا على تعليم الصبي الفرنسية والانجليزية، فاستطاع عبدالفتاح أن يتحدث مع الجاليات الأجنبية بطلاقة، واحترف العمل في الصاغة.

عبد الفتاح القصري.. بداية المعاناة النفسية مع وفاة الجد

مرت الأعوام وتوفى حافظ القصري بعد أن أطمئن على مهنته، كان عبد الفتاح مرتبطا به ارتباطًا شديدًا، ليدخل الفتى في حالة نفسية سيئة بعد وفاة الجد، وعلى أثرها ينصح الأطباء والده بضرورة أن يترك المنزل ويذهب إلى أجواء طبيعية تساعده على استعادة روحه مجددًا، فأرسله  إلى عيون حلوان الكبريتية التي كانت من أشهر الأماكن في الاستشفاء بمدينة حلوان جنوب القاهرة.

وفي أحد الفنادق المطلة على هذه العيون أقام وما هي إلا أيام حتى استرداد صحته، لكن يشاء القدر أن يتعرف في داخل الفندق على  الممثل “علي ساطور” أحد الممثلين بفرقة “فوزي الجزايرلي المسرحية”.

أخذ “ساطور” يحكي له عن المسرح وتاريخه وتفاصيل التمثيل والأدوار الفنية، يجد عبد الفتاح بداخله شغفًا للمعرفة أكثر عن المسرح، بعد انتهاء مدة إقامته في الفندق، صاحب “علي ساطور”  وبدأ يشاهد جميع العروض المسرحية لفرقة فوزي الجزايرلي والتي كانت لحسن حظه تقام في مسرح الكلوب المصري بالحسين، بالقرب من منزله.

عبد الفتاح القصري.. عمل مترجما للأعمال المسرحية الفرنسية والإنجليزية 

ارتبط القصري بالمسرح وأحبه بشدة، ومع مشاهدته لعروض الفرقة يزيد شغفه به، حتى عرضه صديقه على فوزي الجزايرلي مؤسس الفرقة، الذي أعجب بعبد الفتاح حيث وجده يتقن عدة لغات.

الأمر الذي أهله فيما بعد للقيام بترجمة الأعمال المسرحية الفرنسية والانجليزية للفرقة، بينما يواصل الصبي اهتمامه الجديد والسهر طوال الليل مع الفرقة المسرحية، يعنفه الوالد، ومثلما فعل حافظ القصري “الجد”، فعل ابنه فؤاد مع عبد الفتاح.

يصر على زواجه، حيث كان يرى ضرورة وجود حفيد خوفًا من أن يضيع عبد الفتاح الميراث بسبب ارتباطه بالمغنى والرقص والمسرح، بالفعل يتزوج عبد الفتاح لأول مرة وكان يبلغ من العمر وقتها 18 عاما، وانتهى الأمر بالطلاق لعدم إنجاب الأطفال وعلمه بمبررات أسرة زوجته بأنه عليه سحرا .

يستمر عبدالفتاح القصري في طريقه، ويتعرف على عبدالرحمن رشدي وهو أحد رواد الحركة المسرحية في مصر، والذي يعطي له فرصة الصعود على خشبة المسرح لأول مرة.

وبالفعل كانت مسرحية “حلاق أشبيلية” البداية الفنية له، لكنها فرحة لم تكتمل، نتيجة حل الفرقة بسبب تراكم الديون عليها.

عدها ابلتحق القصري بمسرح جورج أبيض عن طريق أستاذه عبد الرحمن رشدي، رحب جورج أبيض به  نظرًا لإتقانه الفرنسية، وحينما جاء وقت عرض مسرحية “أوديب ملكًا”، أسند إليه دور العراف الأعمى، فأراد أن يسعد الجمهور بارتجاله في المشاهد بلغة ابن البلد الذي ميزته في كافة أعماله السينمائية.

وكان هذا يعد خروجا عن النص، الذي يشير إلى ضرورة إبكاء الجمهور وليس إضحاكهم، فطرده جورج أبيض بعد أن وجه له صفعة أصبحت حديث الوسط الفني فيما بعد.

عبد الفتاح القصري.. التمثيل مصيره وقدره لا محالة

يعود عبدالفتاح القصري إلى المنزل ولكن بعد عدد من الشروط أقرها والده عليه حتى يصفح عنه، أهمها أن لا يعود إلى الفن مع ضرورة الالتزام بالعمل في الصاغة دون انقطاع، وإلا سيمنع عنه الميراث، وافق عبد الفتاح لأنه صفعة جورج أبيض له، أغلقت طرق التمثيل في وجهه.

يصل الخبر إلى نجيب الريحاني الذي يبحث عن ممثل كوميدي شاب، يكلف مدير أعماله بالبحث عن الفنان الذي صفعه جورج أبيض، وعندما يجده في أحد  مقاهي الحسين، يذهب به إلى الريحاني، ودون تردد يقرر الفتى العودة إلى التمثيل مقابل التضحية بالميراث.

ينطلق القصري في مسيرته الفنية بعد عمله مع فرقة الريحاني المسرحية، خلال مسرحيات “محدش واخد منها حاجة، مملكة الحب، جنان في جنان”، واستطاع لفت الانتباه إليه بأدائه الكوميدي الذي أضحك الجماهير التي باتت تنتظره من عمل لآخر.

وخلال هذه الفترة تزوج من حكمت شريف، إحدى المعجبات به حيث كانت تحرص على مشاهدة كل عروضه المسرحية، وتستمر معه رغم عدم الإنجاب، المشكلة التي اضطرته إلى أن يتبنى طفلًا يدعى “مسعود” يعيش معه، كان يعمل بدكان جانب منزله، وأمام محاولات رفض زوجته للطفل تنتهي القصة بالطلاق.

عبد الفتاح القصري.. مأساة فنان خانته زوجته مع ابنه

خلال انطلاقته السينمائية، كان غالبًا ما ينتابه الشغف إلى المسرح، فالتحق بفرقة إسماعيل ياسين المسرحية، وبدأ في تقديم العروض، إلا أن مسرحية “الحبيب المضروب” بطولته مع الفنانة تحية كاريوكا بمشاركة إسماعيل ياسين صاحب الفرقة، فقد شهدت نقطة فارقة في مشواره الفني وحياته، ففي أثناء تقديم هذه المسرحية، وتحديدا هذا المشهد الذي كان يجمع بين القصري واسماعيل ياسين، وتحية كاريوكا.

فجأة ينادي القصري على إسماعيل ياسين، قائلًا: أنا عميت يا إسماعيل! ويكرر أنا مش شايف حاجة!”. 

اعتقد الجمهور بأن ما يقوله من ضمن حوار المسرحية أو ربما إحدى إفيهاته التي تميز بقدرته على إطلاقها، لكن إسماعيل يس يتدارك الموقف ويقفل الستارة، ويأخذه مسرعا إلى مستشفى القصر العيني، ليخبرهم الأطباء بأنه قد فقد بصره بالفعل.

 وهكذا تتبدل الأحوال، فبعد أن وصل إلى قمة مجده الفني، تنقلب الأمور رأسا على عقب، ويدخل القصري في رحلة جديدة مع الألم، وإن كانت رحلته مع الآلام بدأت قبل ذلك، حيث كانت حالته الصحية تتدهور من وقت للآخر.

وذات مرة وخلال جلوسه للعلاج في المستشفى تولت أمره ممرضة شابة سكنت قلبه، فعرض عليها الزواج فوافقت دون تردد، ولأنها تعلم بعدم قدرته على الانجاب، وإن طفله الوحيد ليس من صلبه ولكنه بالتبني، طلبت منه أن يكتب لها أمواله وممتلكاته، وأقنعته أنه بعد وفاته لن يكون هناك من يورثه.

اقتنع القصري وكتب لها كل ممتلكاته!. وبعد أن ضمنت أمواله، تغيرت نبرة الحنان والعاطفة تجاه زوجها إلى نظرة المحروم عندما يشبع، تتدهور الأمور أكثر، ليبعد عنه ابنه بالتبني ويرتمي  في أحضان زوجته، يعاني بعدها من ارتفاع ضغط الدم ليحدث ما حدث على خشبة المسرح في مسرحية “الحبيب المضروب”  ويفقد بصره.

تمر الأيام والحال يتدهور للأسوأ، تطلب منه زوجته الطلاق، لأنها ستتزوج من “مسعود” الذي تبناه، لا يصدق ما حدث، وتتدهور حالته الصحية أكثر ويصاب بتصلب في الشرايين، وبرغم ذلك تتزوج زوجته من ابنه بالتبني، ويبقى القصري داخل غرفة مظلمة وحده، حتى استطاعت الفنانة ماري منيب زيارته، لتأخذه إلى المستشفي يعالج على نفقتها.

وفي النهاية تخصص له شقة بمساعدة محافظ القاهرة في منطقة الشرابية إحدى المناطق الشعبية في القاهرة، وظل  فيها حتى وافقته المنية في  مارس 1964، ليرحل ابن البلد الأصيل الذي حفر في ذاكرة الجماهير أجمل المشاهد الكوميدية، رحل صاحب البهجة الكبير والعملاق الكوميدي الذي لم يتكرر حتى الآن .

Facebook Comments

One thought on “عبد الفتاح القصري.. فنان معذب في الأرض خانته زوجته مع ابنه

Comments are closed.